الشيخ أحمد فريد المزيدي
214
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الجنيد : ليس هذا من شأنك ، ثم أقبل على الرجل ، وقال : إذا تحقق أنه مخلوق . فشهق الرجل شهقة ، ومات « 1 » . كان الجنيد يدخل كل يوم حانوته ، ويسبل الستر ، ويصلي أربعمائة ركعة ، ثم يعود إلى بيته « 2 » . قال : سمعت الجنيد بن محمد يقول : لا تكون عبد اللّه بالكلية ، حتى لا تبقي عليك من غير اللّه بقية « 3 » . قال الجنيد : لا تكن عبد اللّه حقّا ، وأنت لشيء سواه مسترقا « 4 » . يقول الجنيد : إنك لن تكون له على الحقيقة عبدا وشيء مما دونه لك مسترق ، وإنك لن تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية ، فإذا كنت له وحده عبدا كنت مما دونه حرّا « 5 » . قال الجنيد : بتّ ليلة عند السريّ رضي اللّه عنه فلما كان في بعض الليل قال لي : يا جنيد ، أنت نائم . قلت : لا . قال : الساعة أوقفني الحق عز وجلّ بين يديه ، وقال لي : يا سريّ ، خلقت الخلق كلهم فادّعوا محبتي ، فخلقت الدنيا فاشتغل بها من كل عشرة آلاف تسعة آلاف عني بالدنيا وبقي ألف ، وخلقت الجنة فاشتغل بالجنة عنّي من الألف تسعمائة وبقي مائة ، فسلطت عليهم شيئا من البلاء ، فاشتغل عنّي من المائة تسعون بالبلاء ، وبقي عشرة ، فقلت لهم : أنتم لا الدنيا أردتم ، ولا في الآخرة رغبتم ، ولا من البلاء هربتم ، فماذا تريدون ؟ قالوا : إنك لتعلم ما نريد . فقلت : إني سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقون ، ولا تحمله الجبال الرواسي ، أفتثبتون لذلك ؟ قالوا : أليس أنت الفاعل بنا قد رضينا بك نحمل ، وفيك نحمل ، ولك نحمل ما لا تطيقه الجبال . فقلت لهم : أنتم عبيدي حقّا « 6 » .
--> ( 1 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 181 ) . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 108 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 246 ) ، والسير للذهبي ( 14 / 67 ) . ( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) . ( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 275 ) . ( 5 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 158 ) . ( 6 ) انظر : روض الرياحين لليافعي ( ص 213 ) ، وبنحوه في الإيقاظ وعقب بقوله : وقال ابن عطاء اللّه في التنوير : وإنما يعينهم على حمل الأحكام فتح باب الأفهام ، وإن شئت قلت : وإنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره ، وإن شئت قلت : وإنما يصبرهم على وجود حكمه علمهم بوجود علمه ، وإن شئت قلت : إنما يصبرهم على أفعاله ظهوره عليهم بوجود إجماله ، وإن شئت قلت : إنما صبرهم -